السيد كمال الحيدري

273

أصول التفسير والتأويل

نرهما ، ونعلم علماً ضرورياً بوجود لندن وشيكاغو وموسكو ولم نرها ، ولا نسمّيه رؤية وإن بالغنا . فأنت تقول : أعلم بوجود إبراهيم وموسى وعيسى كأنّى رأيتهم ، ولا تقول رأيتهم أو أراهم . وأوضح من ذلك علمنا الضروري بالبديهيات الأوّلية التي هي لكلّيتها غير مادّية ولا محسوسة مثل قولنا : « الواحد نصف الاثنين » و « الأربعة زوج » و « الإضافة قائمة بطرفين » فإنّها علوم ضرورية يصحّ إطلاق العلم عليها ولا يصحّ إطلاق الرؤية . ونظير ذلك جميع التصديقات العقلية الفكرية ، وكذا المعاني الوهمية ، فجميع ما نصطلح عليه بالعلوم الحصولية لا يطلق عليها رؤية وإن أطلق عليها العلم فنقول : علمناها ، ولا نقول : رأيناها . نعم بين معلوماتنا ما لا نتوقّف في إطلاق الرؤية عليه واستعمالها فيه ؛ نقول : أرى أنّى أنا وأراني أُريد كذا وأكره كذا وأُحبّ كذا وأبغض كذا وأرجو كذا وأتمنّى كذا ، أي أجد ذاتي وأُشاهدها بنفسها من غير أن أحتجب عنها بحاجب ، وأجد وأُشاهد إرادتي الباطنة التي ليست بمحسوسة ولا فكرية ، وأجد في باطن ذاتي كراهة وحبّاً وبغضاً ورجاءً وتمنّياً وهكذا . وهذا غير قول القائل : رأيتك تحبّ كذا وتبغض كذا وغير ذلك ، فإنّ معنى كلامه أبصرتك في هيئة استدللت بها على أنّ فيك حبّاً وبغضاً ونحو ذلك ، وأمّا حكاية الإنسان عن نفسه أنّه يرى أنّه يريد ويكره ويحبّ ويبغض فإنّه يريد به أنّه يجد هذه الأُمور بنفسها وواقعيتها ، لا أنّه يستدلّ عليها فيقضى بوجودها عن طريق الاستدلال ، بل يجدها من نفسه من غير حاجب يحجبها ولا توسّل بوسيلة تدلّ عليها . وتسمية هذا القسم من العلم الذي يجد فيه الإنسان نفس المعلوم بواقعيّته رؤيةً ، ليست قليلة ، وهى علم الإنسان بذاته وقواه الباطنة وأوصاف